قفي يا هند
حين تطوعت في حملة النائب حنان عشراوي في
أول انتخابات فلسطينية للمجلس التشريعي، اخبرتني بعد لقائها بممثل عائلتي في مدينة
القدس بأنها قد حدثته عني وعن مدى فخرها بي كإمرأة قوية. يومها، أخبرها قريبي بأن عائلتنا
ترضع بناتها حليب السباع. وحين رغبت بالإرتباط بأمريكي، لم يعجب ذلك قريبي وعارض زواجي
بل وتطاول على سمعتي في العائلة. يتفاخر بي أمام إمرأة قوية كحنان عشراوي ويستغل علاقتي
بها كي يتقرب منها، وفي نفس الوقت يتطاول على سمعتي لأنني تجرأت بالخروج عن المسموح
به بالنسبة لهذا الذكوري. هذه هي الازدواجية الذكورية العربية، يفتخرون بالنساء القويات
المتمردات على عادات المجتمع البالية طالما لمن يكُن قريباتهن.
كنت أؤمن دوما بأن كل امرأة ستصحو حين يأتي
أوانها وستنتفض على الظلم الذي تعيش تحت نيره، ولكن صبري نفذ. لم يعد لدي القدرة على
أن أخاطبكن بحنان كونكن مضطهدات في مجتمع أبوي يسلبكن أكثر حقوقكن لأنكن استمرأتن العبودية
وأسلمتن أمركُن لرجال يعاملونكن كالخراف. لا أؤمن بالعنف، ولكني أرغب بصفعكن كي تستيقظن
من سباتكن والكف عن مشاهدة المسلسلات التركية المدبلجة وبرامج الطبخ وحلقات شيوخ السلاطين
الذين يشعوذون الدين ويخبرونكن بأنكن ضلع قاصر وناقصات عقل ودين. أريدكن أن تتوقفن
عن الانضمام للرجال في جلسات جلد أخواتكن اللواتي أستطعن تحدي الأبوية وارتفعن بعلمهن
وثقافتهن. هن لسن بعاهرات لأنهن لا يلبسن الحجاب ولم يبعن شرفهن أو دينهن حين حصلن
على درجات علمية عالية. ألم يبدأ الدين الإسلامي بكلمة "اقرأ؟" ألم تسمعن
بحديث نبي الإسلام، "خذوا دينكم من هذه الحميراء،" وأشار الى عائشة؟ إذا
كان رسولكن قد حض أتباعه على تعلم الدين من زوجته عائشة، فلم تقبلن بأن يقال عنكن بأنكن
ناقصات عقل ودين؟ ألا تتملككن الغيرة حين تشاهدن أنجيلا ميركل تصدر قرارات وتدير واحدة
من أقوى دول العالم؟ تنظرن اليها سرا بإعجاب، ولكنها كافرة في نظر العديد منكن كونها
لا تتبع الدين الإسلامي وغير محجبة وتخالط الرجال. أخبروكن بأن الإسلام هو مقياس مجتمعاتكن
الأول والأخير ونسيتن بأن الإيمان هو الأساس. أضلوكن حين أخبروكن بأن الغربيات كافرات
كون أغلبهن مسيحيات ونسيتن بأن الخالق خاطب المسيحيين واليهود بأهل الكتاب ولم ينعتهم
بصفة الكفر. شيوخ السلاطين شعوذوا دينكن كي يستمروا بالسيطرة عليكن وكي لا يسنح لكُن
التعلم من تجارب نساء أخريات في بلاد أخرى. أخبروكن بأن الإسلام أعز المرأة، بينما
هم يذلونكن ويهمشونكن وينعتونكن بصفات لا تليق الا بقاصرات لا يملكن من أمرهن شيئا.
من أخبركن بأن وظيفتكن في الحياة هي إنجاب الأطفال وتربيتهم ليقوم رجل ما أو شيخ ما
بإرسالهم الى حرب من أجل رجل أو شيخ ما؟ ألم يخبروكن بأن نبيكن قال، "خدمتك زوجك
صدقة؟" لا أحد يستطيع إجباركن على فعل الصدقة، فلم تقبلن بأن تمضين حيواتكن في
الطبخ والتنظيف والعناية بالأطفال؟ طبعا، ستتهمنني بأني أرغب بتدمير الأسرة، ولكن،
هل هي غير مدمرة أصلا؟ الأسرة هي نواة المجتمع، فهل انتجت هذه الأسرة مجتمعا صالحا؟
أنظرن الى مجتمعاتكن، هل هي صالحة؟ أنتن أساس هذه الأسرة، لكنكن تلتزمن بدور جسدي لا
أكثر ولا أقل وتستمرين في نشر نفس الأفكار الهدامة التي تمجد الرجل وتنتهك روح المرأة.
لم على الأجيال القادمة من النساء أن يتعذبن مثلكن؟ لم لا تقفن سندا لبناتكن وتساعدنهن
على التحليق بدلا من ربطهن في نفس الساقية المقيتة؟ ألن تكسر هذه الحلقة المغلقة التي
أوصلتنا الى هذا الانحدار الأخلاقي والسياسي والوطني؟
هل ارتحلت عنّا هند بنت عتبة
ولم تترك جينا واحدا يختلط بدماء نساء الوطن العربي؟ أين أنتن يا بنات طارق؟ أين هي
المرأة العربية في هذا الانحدار العربي غير المسبوق؟ ألا ينظرن حولهن ويرين نساء سوريا
والعراق يبعن في سوق النخاسة؟ ألم يرين نساء فلسطين يقتلن على حواجز الاحتلال الصهيوني
أو تحت صواريخه؟ ألا يشعرن بوجع أمهات اليمن حين يشاهدن أطفالهن يموتون من الجوع؟ كم
امرأة شاهدت ابنها وزوجها وحبيبها يذهب الى حرب أو معركة أمره رجل أن يتوجه اليها ولم
يعد؟ ماذا قدم لكُن رجال العرب كي تخضعن لحكمهم؟ فلسطين تحت الاحتلال واليمن وسوريا
والعراق وليبيا يتم ذبح أهلها ولبنان يغرق بالنفايات والطائفية بينما يغرق أطفال الأردن
في سيول جارفة ويلفظون أنفاسهم الأخيرة في بحر ميت كضمائر القيادات العربية الذكورية.
ضاعت بلادنا العربية حين قبلتن بأن تجلسن
على الرف وتركتن الرجال يديرون شؤون البلاد والعباد حتى وصلنا الى هذه المرحلة الخطيرة
حيث ندفع الجزية للغرب بينما يقوم الأخير بنهب ما تبقى من مصادرنا الطبيعية وذبح أبناءنا
في حروب داخلية واستعمارية. ألم يخيفكن شلال الدم السوري والعراقي ولا يصدمكن جوع أهل
اليمن؟ أنتن جناح الطير العربي الثاني الذي كسره الجناح الآخر متصورا بأنه قادر، وحده،
على رفع هذا الطير والتحليق به، وحين يفشل، يلومكن لعدم قدرتكن على الطيران. يرونكن
سبب بلاء الأمة وانحدارها أخلاقيا في حين أنكُن لا قدرة لكُن على سن قوانين ولا يسمح
لكُن بتغيير عادات المجتمع العفنة وإن حاولت احداكن، قيل لها، "اقعدي يا هند!"
أنتن المهمشات والمضطهدات، ولكنكن سبب الضعف العربي. أنتن مفعول به ولستن بفاعلات ولكن
أنتن من أتيتن بالاستعمار وخراب الديار. هم من يسن القوانين والسياسات الداخلية والخارجية
والدينية، ولكن اللوم يقع عليكن. متى سترفعن رؤوسكن يا بنات طارق؟ تعانقن وتفرشن النمارق
بينما هم يدبرون، أما آن أوان فراق غير وامق؟
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق