قيل لنا بأن نبي الاسلام قال، "الجنة
تحت أقدام الامهات. من شئن أدخلن، ومن شئن أخرجن." خلال بحث قصير على
الانترنت، تبيّن بأن لا وجود لهذا الحديث بل وأنكره علماء الأحاديث. أذا، من أين
أتى هذا الحديث؟ خلال نفس البحث، اتضح بأن الحديث المزيف، بني على قصة معاوية بن
جاهمة حين أتى نبي الاسلام معلنا رغبته بالالتحاق بصفوف جيشة والجهاد في سبيل الله
مبتغيا وجه الله والجنة. حينها، سأله النبي إن كان لديه أم، وأجاب بالإيجاب، فطلب
منه النبي بأن يلزمها ولا يتوجه للجهاد. معاوية، طلب من النبي أن يلتحق بالمجاهدين
ثلاث مرّات وصده النبي وطلب منه أن يلزم أمه، وفي آخر رد منه قال، "ويحك،
الزم رجلها فثم الجنة." لا أدري إن كان معاوية وحيد أمه ولذلك منعه النبي من
الالتحاق بصفوف المجاهدين خوفا من أن يستشهد وتفقد أمه معيلها وسندها الوحيد. إن
كان وحيدها أم لا، فالحديث لا يقصد أن مفاتيح الجنة بيد الأم. إن كان معاوية يرغب
بدخول الجنة عن طريق الجهاد، فكلام النبي يعلمه بأن الجهاد ليس السبيل الوحيد
لدخول الجنة، بل فعل الخير أيضا يضمن ذلك. ربما كان النبي على علم بأن أمه بحاجته
وأراد تذكيره بذلك. ترى لو كان له طفلة وحيدة وأمه متوفية وقال له النبي أن يلزم
إبنته، فهل أصبحت الجنة تحت أقدام الفتيات؟ التفسير الحرفي للأحاديث والبعد عن
إعمال العقل في تفسير القرآن والأحاديث، حوّل الأم الى مخلوق بقدرات إلهية تتجاوز
قدرات الرب. إن كانت هي تدخل وتخرج من تشاء من الجنة، فما هو دور الرب في هذا
الموضوع؟ كثيرون يخشون غضب الأم وعدم رضاها عنهم وينسون بأن لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق وهذا يتضمن الأم أيضا. حين دخل شقيق هند بنت عتبة في الاسلام، لم
يطلب منه نبي الاسلام أن يرتد عن دينه ولم يطلب منه أن يلزم أمه خوفا من أن تمنعه
من دخول الجنة!
الأم، هي إنسان كباقي البشر وليست آلهة أو
مخلوقا معصوما عن الخطأ وطاعتها ليست واجبة في كل الأوقات والأحوال. خلال قراءاتي
عن علاقات الأم بأطفالها، وقع بين يدي نصين اعتبرتهما من أهم النصوص في هذا
المجال. ألأول، كان مقال نشر في مدونة وعنونته صاحبته ب "جرح ألأم،"
والثاني كان تغريدة لشاب أمريكي عن علاقته بأمه المريضة نفسيا.
في مقال "جرح الأم،" تتناول الكاتبة "بيثاني ويبستير" العلاقة المعقدة بين الأم وإبنتها في مجتمع أبوي يسحق الإثنتين
وكيف تتحول هذه العلاقة الى جرح نازف يمنع أجيالا من النساء من النهوض والدفاع عن
أنفسهن ويبقين طفلات صغيرات متشبثات بطرف ثوب أمهن. في المجتمع الأبوي، يتم إقناع
المرأة بأنها أقل قدرا من الرجل وبأنها لا تستحق نفس الفرص التي تمنح للرجل. تقبل
أغلب النساء هذه النظرة ولا تحاولن الثورة عليها أو رفضها وتدوسهن عجلة النظام
الأبوي. يأتي جيل جديد من النساء في عهد أكثر تطورا تكنولوجيا وبإمكانيات أكثر
وأوسع ومجالات جديدة مفتوحة للمرأة كي تنمو وتتطور وتقوي نفسها، لكنها تقع في فخ
من صنع يدها أو أمها أو الأثنتين معا. إن حاولت إحداهن كسر الحلقة المفرغة، كانت
لها أمها بالمرصاد، فكيف تفعل هذا وماذا سيقول المجتمع وماذا ستقول القبيلة؟ لكن
جرح الأم يتجلى بطريقة مؤلمة أكثر حين تقف الأم حائلا بين ابنتها وطموحها بسبب
غيرتها من ابنتها التي لا ترغب في نسخ حياة أمها المؤلمة تحت نير النظام الأبوي،
فتقوم الأم بحجب حبها وحنانها عن إبنتها وتبتزها عاطفيا كي تبقيها صغيرة تحت
جناحها ترجو حبها وعطفها. كم أم غضبت من أبنتها وعايرتها بأنها أتت بها الى الحياة
ورعتها طوال حياتها في محاولة منها لإجبارها على الإنصياع لرغباتها؟ في نفس الوقت،
تشعر الإبنة بالذنب إن حاولت السير خلف طموحها تاركة أمها خلفها تحت عجلة النظام
الأبوي، ألم تأت بها الى الدنيا ورعتها حتى أصبحت إمرأة، فكيف تتركها في العذاب
وتتخلى عنها؟ وإن أصرت على تحقيق طموحها، تخشى غيرة أمها أو غضبها لأنه لم يسنح
للأم تحقيق طموحها بعد أن فرض عليها التكييف الإجتماعي أن تكون أُما تمضي حياتها
في رعاية أطفالها، فكيف تسعى لتحقيق شيء حُرمت الأم من تحقيقه بسبب المجتمع
الأبوي؟ بين هاذين الموقفين، تقع الإبنة في فخ حبها لأمها ورغبتها في الحصول على
حبها، فتقوم بكبح جماح طموحها كي لا تشعر أمها بالتهديد وتُبقي نفسها طفلة صغيرة
بحاجة لأمها كي تنال حبها. تتصور الإبنة بأنها تفعل كل هذا بسبب ولائها لأمها،
ولكنها في الحقيقة، تبدي ولاءا لجرح أمها التي تشعر بإستياء لأنها أفنت حياتها في
تربية أطفالها ولم تحقق طموحها وهاي هي إبنتها ترغب في تحقيق ما لم يسمح لها
بتحقيقه. مع الوقت، يتطور لدى الإبنة إحساس بالدونية مثل أمها وبأنها لا تستحق
أفضل وبأن ثمة عيب فيها أو أنها المُلامة. .. وتستمر هذه الحلقة المفرغة لأجيال وأجيال من
النساء.
تغريدة الشاب الأمريكي عن علاقته بأمه
المريضة نفسيا، سلطت الضوء على حقيقة يتم طمسها والتغاضي عنها دوما وأيضا، تحت حجة
أنها أم. لا أحد في العالم العربي يتحدث عن الأمراض النفسية التي تعاني منها
الأمهات، وخصوصا، كونهن الأقرب للأطفال والأكثر تأثيرا على حياتهم. هذا الشاب الذي
لا أذكر إسمه الآن، تحدث عن صعوبة العيش مع أمه حين كان صغيرا بسبب تقلبات مزاجها.
فتارة، هي أم حنون، وتارة أخرى، هي أم قاسية، وهو كطفل صغير، لمن يكن لديه قدرة
على فهم ما يحدث أو تحليله ولكن واقعه أصبح بأنه لا يشعر بالأمان مع والدته. لم
يكن لديه القدرة على التنبؤ بالحالة النفسية لأمه كي يتجنب غضبها. هذه الحالة
النفسية التي عاشها، أثرت على علاقاته المستقبلية حيث أنه لم يكن لديه خبرة في
تشكيل علاقات صحية مع الآخرين. أصبح دوما مترقبا ومتوترا في علاقاته مع الجميع خوفا
من غضب الطرف الآخر وبالنهاية فقدانه. لم يكن لديه القدرة على أن يكون كما هو
وأمضى كل وقته يترقب ردة فعل الآخر في العلاقة تحسبا لردة فعل غاضبة تؤدي إلى
فقدان الآخر. أصبح الطرف الأضعف والمحتاج في العلاقة بينما أصبح الآخر صاحب اليد
العليا ولديه القدرة التامة على التحكم بمسير العلاقة. هذه عينة من الأمراض
النفسية التي تعاني منها الأمهات ولا يتم الحديث عنها أبدا. ربما لم تكن هناك
أمراض نفسية كهذه في زمن نبي الإسلام، ولكن مع تطور البشرية وإنتشار التلوث البيئي
وإزدياد صعوبة الحياة تحت النظام الرأسمالي، ظهرت أمراض نفسية جديدة يتم تجاهلها
في الأم بسبب الصورة النمطية للأم التي تنجب وتربي وترعى وتسهر الليالي بالرغم من
زيف هذه الصورة لأنها لا تنطبق على جميع الأمهات. الأم كغيرها من البشر، تعاني من
ترسبات تربية المجتمع الابوي وطاحونة النظام الرأسمالي. قد تكون أنانية في تعاملها
مع أطفالها وقد تكون العكس وتفعل المستحيل لأطفالها. قد تكون علاقتها عادية مبنية
على إحترام فردية الأم وأطفالها وقد تكون الأم مريضة نفسية تدمر أطفالها وحيواتهم.
الأم بشر كغيرها وليست مخلوقا منزها عن الخطأ
وليست آلهة. أن تصبح المرأة أما، هذا ليس بالإنجاز العظيم فالكلبة تنجب جراءا
صغيرة وتربيهم وترعاهم وتحميهم من عدوان أي حيوان مفترس. جميع حيوانات الأرض تنجب
وتقوم بواجبها تجاه أطفالها ولكنها لا ترفع إلى مصاف الآلهة. فلم هذه الهالة
الخاصة بالأم البشرية؟ ضحكوا علينا معشر النساء حين أقنعونا بأن الأمومة إنجاز
عظيم يرفع من مقامنا ويمنحنا القدرة على التحكم بمفاتيح الجنة. حصروا دورنا في
الحياة بالإنجاب وتربية الأطفال وأجلسونا في البيوت ننجب لهم ونربي أطفالا يحملون
إسمهم وإن أبينا الطاعة، حرمونا من أطفالنا. نعمل على تربية الأطفال ليل نهار ولا
نمنح أجرا ولا يعتبر عملنا عملا لأنه بلا أجر ولا يمكننا إعتبار هذا العمل كأي عمل
آخر نتضمنه في سيرتنا الذاتية حين تسنح لنا الفرصة للتقدم لوظيفة ما. كم من إمرأة
لم تستطع الإلتحاق بسلك العمل بسبب تربية أطفالها وحين كبروا ورغبت بالحصول على
وظيفة قيل لها بأنها لا تملك الخبرة الكافية وأضطرت بأن تقبل بوظيفة دنيا كي تعيش؟
كم أم خدعت بصورة الآلهة وتصورت بأن رضاها هو الأول والآخر في حياة أطفالها وأصبحت
مخلوقا متسلطا على حياتهم؟ لم حولتم الأمومة إلى عائق في حياة المرأة ومرض نفسي
يحول حيوات من حولها إلى جحيم؟ أعيدوا للأم بشريتها وتوقفوا عن خلق أمراض نفسية
مزمنة تدمر المجتمعات وتخلق أجيالا تمضي بقية حيواتها تحاول التخلص إما من عقدة
الذنب تجاه الأم أو تحاول أن تحيا علاقات طبيعية متوازنة مع الآخرين. أعيدوا للأم
بشريتها كي لا توغل في لعب دور الضحية التي ضحت بكل شي من أجل أطفالها ولذا عليهم
دفع الثمن حين يكبرون أو أن تصحو يوما وتكتشف بان دورها في الحياة قد إنتهى بعد أن
كبر أطفالها ولا تستطيع الإلتحاق بوظيفة تلائم علمها وثقافتها وتكون مواطنة فعّالة
ومنتجة في مجتمعها. أعيدوا للأم بشريتها ولا تحملوها فوق طاقتها وفوق طاقتنا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق